عذراً قناة " العبرية " .. إنها أشلاء لاطفال ..


حمل الأب ما تبقى من بقايا طفله الصغير .. وهو يبكي .. قسمات وجهه التي امتزجت فيها السنون .. تحولت لممرات .. جرى فيها مزيج من الدمع والدم ..

صفعتني هذه الصورة على وجهي .. ورحت أبحث عن شيء ما حولي .. تسألني والدتي عما أبحث .. وحين أجيبها أنني أبحث عن " الريموت كونترول " .. تبتسم في حزن .. لتخبرني أنه في يدي ..

نعم لقد كنت أحاول الهرب من مواجهة نفسي .. وخجلاً من مواجهة هذا الأب النازف .. على طفله الممزق ..

أطفال ممزقون على هذه الشاشة .. وعلى شاشة أخرى ..ترك خمسة أطفال الكرة التي كانوا يلعبون بها ..ووقفوا يبكون أمام كومة من الحجارة .. هنا كان منزلهم قبل لحظات .. وتحت هذه الحجارة رقد أبوهم وأمهم ..  يعلو صوت البكاء .. لا مجيب .. يعلو أكثر .. وليس ثمة من يخبرهم أن البكاء لا يعيد الأموات إلى الحياة .

هربت إلى محطة فضائية أخرى .. و أخرى .. وأخرى .. العويل ذاته والبكاء ذاته .. ويدي بدأت ترتجف .. حتى وصلت إلى قناة العربية ..

المذيعة " هدمت ثلاثة منازل في غزة نتيجة القتال الدائر بين مسلحين فلسطينيين  والجيش الإسرائيلي " 

نسيت لحظتها أني إعلامي .. فكفرت برب الإعلام .. ومن ورائه  السياسة الحقيرة .. ولم يسلم الكثيرون من شتائم رحت أفرغ فيها كل ما احتقن في نفسي من كره للتخاذل والخنوع ..

رحت أسترجع كل ما درسته في الإعلام عن الحيادية والموضوعية .. والأسلوب المنهجي الأكاديمي في التعامل مع الخبر الصحفي .. وما يتطلبه ذلك من الرأي والرأي الاخر ..

فكان لا بد لأن أوصف بالحيادية .. أن أسأل القاتل بوش .. والسفاح أولمرت .. والملك أو الرئيس الأعرابي .. عن رأيهم تجاه مقتل هؤلاء الأطفال " المجرمين " .. أبناء " المخربين " ..

وافترضت جدلاً أن هذا هو الإعلام الحيادي مع إيماني المطلق بأنه ليس هناك إعلاماً حيادياً في العالم كله  .. فرحت أسقط ما شاهدته على قناة العربية على ما افترضته .. 

فوجدت أن القناة العربية قد تخطت معايير الحيادية .. حين وقفت إلى جانب القنابل المتساقطة على رؤوس الأطفال .. ضد شظايا هؤلاء الأطفال التي تطايرت في كل مكان .. وامتزجت بكل شبر من تراب غزة .. مصورة المجازر التي ترتكبها إسرائيل بدعم أعرابي .. إنها حرب  " بين مسلحين فلسطينين  وجيش الإسرائيلي " .

لن أغرق في التفاصيل .. فالجملة الماضية كافية للتعبير عن مصداقية وحيادية هذه القناة " العربية "
  .

تذكرت لحظتها وقوف هذه القناة وأصحابها إلى جانب الإسرائيليين في حرب تموز .. وكيفية تصويرها للمعارك التي كانت رحاها تسحق اليهود المعتدين .. ليطل مراسلوها ويصورون أن إسرائيل في طريقها لاحتلال الضاحية الجنوبية وأنهم يقتلون العشرات من " مخربي " حزب الله  .

 والمعروف أن قناة العربية قد أوجدت بمال سعودي وبدعم أمريكي لتبييض صفحة النظام السعودي وضرب حركات المقاومة في الوطن العربي والدول الممانعة للمشروع الصهيوني  , ولا يخفي على أحد أن قناة العربية تحظى بدعم مالي كبير من وزارة الدفاع الأمريكية إلى جانب العديد من وسائل الإعلام العربية ومنها قناتي المستقبل و الإل بي سي .

ولا يزال الحقد الدفين الذي يسكن النظام السعودي ضد أرض الحضارة السورية ينفث سمومه عبر قنوات المملكة ومواقع النظام السعودي الإعلامية ..  

فلو قرأت خبراً عن تعثر " جحش " في نيكاراغوا على موقع العربية نت .. لرأيت التعليقات تتجه لشتم سوريا والشعب السوري ..

ولو أن إحدى زوجات جماعة 14 شباط رفست زوجها على " رأسه  " .. ورفضت ممارسة الجنس معه .. لرأيت كيف أن العربية نت جيرت الخبر إلى  أن سوريا وراء رفض تلك الزوجة .. لتبدأ التعليقات بشتمنا نحن السوريين .. 

كل هذا نتفهمه نحن السوريون .. ونتفهم الحقد الدفين وعقد النقص التي تسكنهم هؤلاء الأعراب المنبطحين  تجاه سوريا وحزب الله وحماس وغيرهم   .. ونتفهم .. ونتفهم  

ولكن السؤال الذي لا أجد له جواباً .. كيف يقبل الإعلاميون العاملون في هذه المؤسسة السعودية على نفسهم أن يتحولوا إلى دمى بيد مجموعة من الأميين  ؟؟ !!  

خبر عاجل " ارتفع عدد الشهداء اليوم إلى 49 شهيداً معظمهم من الأطفال والنساء .. و 150 جريحاً ".

وأتساءل مرة أخرى .. لو ضغطت الريموت كونترول الان على قناة العربية .. كيف ستتم صياغته .. ؟

                                                                                                                   
عبد الله عبد الوهاب